السيد جعفر مرتضى العاملي

34

صفوة الصحيح من سيرة النبي الأعظم ( ص )

الثّالثة : إنّ هذه الحياة الصّعبة ، وهذه الحكم القِبَلي ، وعدم وجود روادع دينيّة أو وجدانيّة قويّةٍ ، قد دفع بهذه القبائل إلى ممارسة الإغارة والسّلب ضدّ بعضها البعض ، كوسيلة من وسائل العيش أحياناً ، وأحياناً لفرض السّيطرة والسّلطان ، وأحياناً أخرى للثّأر وإدراك الأوتار إلى آخر ما هنا لك ، فَتُغيرُ هذه القبيلة على تلك ؛ فتستولي على أموالها ، وتسبي نساءها وأطفالها ، وتقتل أوتأسر من تقدر عليه من رجالها ، ثمّ تعود القبيلة المنكوبة لتتربّص بهذه الغالبة الفرصة لمثل ذلك ، وهكذا . ومن هنا ، فإنّ من الطّبيعي أن يكون شعور أفراد كلّ قبيلة بالنّسبة لأبناء قبيلتهم قويّاً جدّاً ، بدافع من شعورهم بالحاجة إلى بعضهم البعض للدّفاع عن الحياة والكفاح من أجلها ممّا كان سبباً قويّاً لزيادة حدّة التّعصب القِبَلي ، الّذي لا يرثى ولا يرحم ولا يلين ، حيث لابدّ من الوقوف إلى جانب ابن القبيلة ، سواء أكان الحقّ له ، أو عليه ، حتّى لقد قال شاعرهم يتمدّحهم بذلك : لا يسئلون أخاهم حين يندبهم في النّائبات على ما قال برهاناً « 1 » ومن الجهة الأخرى ، فإنّ القبيلة تتحمّل كلّ جنايةٍ أو جريمة يرتكبها أحد أبناءَها ، وتحميه من كلّ مَن أراده بسوءٍ ، بل يكون أخذ الثأر من غير الجاني إذا كان من قبيلته كافياً وشافياً للموتورين ، الّذين يريدون شفاء ما في نفوسهم وإدراك أوتارهم . الحضر في شبه جزيرة العرب أمّا الحضر في جزيرة العرب ، وهم الّذين يسكنون المدن ويستقرّون فيها ، فإنّهم وإن كانوا في حياتهم أرقى من العرب الرّحل ، إلّا أنّ رقيهم هذا لم يكن

--> ( 1 ) 1 . البيت منسوب لقريط بن أنيف العنبري . راجع تفسير جامع الجوامع ، ج 2 ، ص 682 عن خزانة الأدب ، ج 7 ، ص 441 .